محمد أبو زهرة
3651
زهرة التفاسير
وأنه يضاعف العذاب ويتحدى صاحب الجبروت والطواغيت ، وأنهم يوم القيامة هم الأخسرون ، وعلى عكسهم المؤمنون الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أي أنابوا واطمأنوا إليه . وأنهم أصحاب الجنة هم فيها خالدون . وقد لخص القرآن الكريم الموازنة بين الهدى والضلال بقوله تعالى : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 24 ) . لقد كان المشركون في مكة يعبدون أوثانا ويعاندون ويجحدون ويؤذون ، فناسب أن يذكر سبحانه قصص النبيين الذين جاءوا في بلاد العرب وجوبهوا بالعناد والجحود والاستهزاء والسخرية ليتأسى بهم النبي صلى اللّه عليه وسلم وليعرفوا عاقبتهم إذا استمروا في عنادهم . وقد ابتدأ بذكر نوح أبى البشرية الثاني بعد آدم وقالوا : إن بعثه كان في البلاد العربية أو ببلاد تدانيها ، وجاء في قصة نوح - وإنها لصادقة - أنه دعا قومه إلى عبادة اللّه وحده ، وكانت إجابة الملأ من قومه مماثلة لما أجاب به المشركون في مكة وأنهم كانوا يعيرونه كما عيروا محمدا صلى اللّه عليه وسلم بأن الضعفاء والعبيد هم الذين اتبعوه . قال الملأ من قوم نوح الذين سارعوا في الكفر وبادروه . . . ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ( 27 ) . وقد قالت قريش مثل هذا القول للنبي صلى اللّه عليه وسلم وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ . . . ( 7 ) [ الفرقان ] ، وقد قال نوح لقومه إنه على بينة من ربه الذي آتاه رحمة . . . فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ( 28 ) ، كما أنه لا يسألهم أجرا ، وطالبوه أن يطرد من معه لأجل أن يدخلوا في دعوته فيقول نوح عليه السلام : وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 29 ) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 30 ) ، ثم عيره قومه أنه ليس غنيا مثل كبرائهم في